أحياناً أقف أمام ما يحدث في العراق مذهولاً، لا أعرف أأضحك من شدة المفارقة أم أبكي من ثقل الكارثة، وأسأل نفسي: هل أنا الذي لم أعد أفهم معنى الدولة، أم أن مفهوم الدولة نفسه بدأ يتغير أمام أعيننا؟ هل أصبحت السيادة أن تكون تابعاً لدولة أخرى، وأن تقدم لها من خيرات وطنك ما يجعلها راضية عنك، وأن تصمت حين تتحدث باسمك، وتصفق حين تتدخل في شؤونك، ثم تقنع شعبك بأن كل ذلك هو عين الوطنية؟المصيبة أن المفاهيم انقلبت حتى أصبح الدفاع عن استقلال العراق تهمة، والاعتراض على التدخل الخارجي خيانة، بينما يصبح الولاء لدولة أخرى بطولة سياسية، ويصبح من يطالب بأن يكون العراق للعراقيين وحدهم مشبوهاً في وطنيته. كأن الوطن لم يعد أرضاً وشعباً ودستوراً وسيادة، بل أصبح مساحة مفتوحة لمن يملك القوة والنفوذ، يضع فيها ما يشاء، ويأخذ منها ما يشاء، ويترك للعراقي أن يدفع الثمن ثم يصفق.الأغرب من ذلك كله أن هناك من يتعامل مع دولة أجنبية وكأنها مقدسة لا يجوز الاقتراب منها بكلمة، فإذا انتقد عراقي سياسة تلك الدولة، انهالت عليه الشتائم والاتهامات، وكأن السيادة أصبحت ملكاً للآخرين، بينما في المقابل يمكن أن يُقتل العراقي أو يُقصى أو يُتهم لأنه رفض أن يكون تابعاً لمشروع لا يؤمن به. فأي وطنية هذه التي تحمي صورة دولة أخرى أكثر مما تحمي دم المواطن العراقي؟كيف يمكن أن يصبح من يقتل أبناء العراق أو يشارك في تهجيرهم أو يقف ضدهم، في نظر بعضهم، بطلاً وطنياً لمجرد أنه يخدم مشروعاً خارجياً؟ وكيف يصبح من يدافع عن حق العراقي في أن يعيش حراً، ويطالب بدولة مستقلة القرار، خائناً أو عميلاً؟ أليست هذه واحدة من أخطر عمليات قلب المفاهيم في تاريخ الدول؟
نحن أمام مشهد أكثر إيلاماً من مجرد نفوذ سياسي؛ نحن أمام محاولة لإعادة تعريف الوطنية نفسها. صار البعض يريد للعراقي أن يكون وطنياً بقدر ما يكون قريباً من دولة أخرى، لا بقدر ما يكون قريباً من العراق.وصار الولاء الخارجي معياراً للثقة، بينما أصبح الولاء الوطني الصافي مدعاة للشك.
والسؤال الذي يقتلني قبل أن يقتلني الجواب: من أعطاهم الحق؟ من فوّضهم؟ من منحهم تفويضاً بأن يقرروا للعراق ما يفعل وما لا يفعل؟ من قال لهم إن العراق ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين؟ وهل يستطيع سياسي عراقي أن يذهب إلى دولة أخرى ويفرض عليها من يبني مصانعها، ومن يدير أمنها، ومن يستحق رواتبها، ومن يقرر سياستها؟ إذا كان الجواب لا، فلماذا يُطلب من العراق أن يقبل بما لا تقبله الدول على نفسها؟كيف يمكن لدولة تقول إن سيادتها مصانة أن تسمح بتدخل الآخرين في قرارها؟ وكيف يمكن لدولة تدعي امتلاك مؤسساتها أن يصبح قرارها السياسي مرتهناً بإرادة خارج الحدود؟ وكيف يستطيع مواطن أن يصدق أن بلده مستقل، بينما يرى أمامه سياسيين يتحدثون باسم دول أخرى أكثر مما يتحدثون باسم وطنهم؟والأدهى أن المواطن العراقي الذي يحمل أعلى الشهادات قد يقف عاجزاً عن الحصول على فرصة عمل تحفظ كرامته، بينما يجد آخرون أبواباً واسعة مفتوحة أمامهم، لا بسبب الكفاءة وحدها، وإنما بسبب الولاءات والعلاقات والانتماءات. شعبٌ يحمل الشهادات ويبحث عن وظيفة، وبلدٌ غني بالنفط والثروات ويستورد كل شيء، وشبابٌ يهاجرون بحثاً عن حياة طبيعية، بينما تُصرف الأموال أحياناً على مسارات لا تزيد العراقي إلا فقراً وانقساماً.
أي وطن هذا الذي يموت فيه أبناؤه دفاعاً عن مشاريع الآخرين، ثم يقال لهم إنهم خونة إذا سألوا: لماذا نموت؟ وأي عدالة هذه التي تجعل دم العراقي رخيصاً، بينما تتحول مصالح الخارج إلى خطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها؟أنا لا أريد للعراق أن يعادي أحداً، ولا أريد له أن يقطع علاقاته مع جيرانه، فالدول المحترمة تبني علاقاتها على المصالح والاحترام المتبادل، لا على العداء. لكن الصداقة شيء، والتبعية شيء آخر؛ التعاون شيء، والتدخل شيء آخر؛ العلاقات الدولية شيء، وتحويل العراق إلى ساحة نفوذ شيء آخر تماماً.العراق يستطيع أن يكون صديقاً للجميع، من دون أن يكون عبداً لأحد. يستطيع أن يتعامل مع جيرانه باحترام، من دون أن يتنازل عن قراره. يستطيع أن يفتح أبوابه للاستثمار، من دون أن يفتح أبواب سيادته. يستطيع أن يحترم الآخرين، من دون أن يطلب منهم الإذن كي يحب وطنه.والمفارقة التي تدفعني إلى الضحك المر أن بعض من يرفعون شعار السيادة بأعلى أصواتهم هم أنفسهم أول من يصمت عندما تُمس السيادة فعلاً. يتحدثون عن كرامة الوطن عندما تخدمهم، ويصمتون عنها عندما يكون الصمت أكثر فائدة لهم. وكأن السيادة عندهم ليست مبدأً، بل موقفاً سياسياً يتغير بحسب الجهة التي ينظرون إليها.السيادة لا تكون انتقائية. لا يمكن أن تكون سيادة العراق قوية أمام مواطن ضعيف، وناعمة أمام دولة قوية. ولا يمكن أن يكون الوطن مقدساً عندما يتعلق الأمر بالخصوم، ومباحاً عندما يتعلق الأمر بالأصدقاء والحلفاء.أخشى أن تكون الكارثة الأكبر أننا بدأنا نعتاد المشهد. أن نرى التدخل فلا نستغرب، والتبعية فلا نغضب، وانتهاك القرار الوطني فلا نسأل، وتحويل الخلاف السياسي إلى صراع ولاءات فلا نتوقف. أخشى أن يأتي يوم يصبح فيه السؤال عن استقلال العراق نفسه سؤالاً غريباً، لأن الأجيال الجديدة ستولد وهي تعتقد أن الطبيعي أن يكون لكل طرف عراقي مرجعه خارج الحدود.وهنا لا أملك إلا أن أسأل: هل نحن أمام دولة لها أصدقاء، أم أمام أصدقاء لهم دولة؟
السؤال موجع، لكنه ضروري.لأن العراق لا يحتاج إلى من يعلّمه كيف يكون تابعاً، فقد أتقن البعض هذه المهنة حتى صار التباهي بها جزءاً من السياسة. العراق يحتاج إلى رجال ونساء يقولون ببساطة: هذا بلدنا، وهذه أرضنا، وهذه ثرواتنا، وهذا قرارنا، ومن أراد أن يكون صديقاً لنا فأهلاً به، ومن أراد أن يتعاون معنا فمرحباً به، أما أن يأتي أحد ليقرر لنا من نحب ومن نكره، ومن نحارب ومن نصالح، ومن نعتبره وطنياً ومن نعتبره خائناً، فهنا يجب أن يتوقف كل شيء.
فالوطنية ليست أن تموت من أجل دولة أخرى ثم يقال لك إنك متّ من أجل العراق.الوطنية أن يعيش العراق أولاً.وأن يكون دم العراقي للعراق، وثروته للعراق، وقراره للعراق، ومستقبله للعراق.
أما أن نقتل أبناءنا كي تعيش دولة أخرى، وننهب ثرواتنا كي تزدهر بنوك غيرنا، ونسلم قرارنا ثم نطلب من شعبنا أن يصفق، فهذه ليست سياسة وطنية، ولا استقلالاً، ولا سيادة.هذه ببساطة مأساة وطن يتعلم كيف يخسر نفسه بأيدي أبنائه.والمصيبة الأكبر أن بعض أبنائه يصفقون لذلك.
فهل نضحك من شدة العبث، أم نبكي لأن الوطن الذي كان ينبغي أن يحمي أبناءه أصبح بحاجة إلى من يحميه من أبنائه؟