مراسلة حربية تكشف 1500 وثيقة “داعشية” في العراق

 

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" البريطانية وثائق أسمتها "وثائق داعش" استطاعت المراسلة الصحفية الخاصة بها أن تنقلها من العراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحلل من خلالها لماذا بقي التنظيم الإرهابي مسيطرًا ومتمددًا في الأراضي العراقية لفترة طويلة.
 
التحقيق الصحفي من قبل الصحفية ركميني كاليماشي، المراسلة الحربية، ومن خلال خمس رحلات إلى العراق التي عصفت بها المعارك، استطاعت تفتيش مكاتب تنظيم "داعش"، وجمعت آلاف الملفات التي هجرها المسلحون مع انهيار دولة الخلافة المزعومة.
 
وتقول "كاليماشي" في تقريرها "المقاتلون الشعث الذين انطلقوا من الصحراء منذ أكثر من ثلاث سنوات أسسوا دولة لم يعترف بها أحد باستثناء أنفسهم، ومع ذلك، وعلى مدى ما يقرب من ثلاث سنوات، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على جزء من الأرض كان بحجم بريطانيا في وقتٍ ما، حيث يقدر عدد سكانه بحوالي 12 مليون نسمة، وفي ذروتها، شملت خطًا طوله 100 ميل في ليبيا، وقسمًا من غابات نيجيريا الخالية من القانون، ومدينة في الفلبين، فضلًا عن مستعمرات في 13 بلدًا آخر على الأقل، أكبر مدينة تحت حكمها كانت الموصل".
 
وتكمل "كاليماشي" قائلة: "الآن فقدت كل تلك الأراضي تقريبًا، لكن ما تركه المسلحون خلفهم يساعد على الإجابة عن السؤال المقلق المتمثل في طول أمدها: كيف تمكنت مجموعة تمارس أعمال العنف التي جعلت العالم كله يحتشد ضدها من الاحتفاظ بهذه الأرض لفترة طويلة؟ يمكن العثور على جزء من الإجابة في أكثر من 15000 صفحة من وثائق الدولة الإرهابية الداخلية التي استرددتها خلال خمس رحلات إلى العراق على مدار أكثر من عام".
 
"تم سحب الوثائق من أدراج المكاتب التي كان المقاتلون يجلسون خلفها من رفوف مراكز الشرطة الخاصة بهم، من طوابق محاكمهم، ومن خزائن معسكرات التدريب الخاصة بهم ومن منازل أمرائهم، بما في ذلك هذا السجل، تفصيل حبس صبي في الرابعة عشرة من عمره بسبب أنه أخطأ أثناء الصلاة".
 
وعملت صحيفة "نيويورك تايمز" مع خبراء خارجيين للتحقق من صحتها، وقضى فريق من الصحفيين 15 شهرًا في الترجمة وتحليلها صفحة تلو الأخرى.
 
بشكل فردي، كل ورقة توثق تفاعلا روتينيا واحدا: نقل ملكية الأرض بين الجيران، بيع طن من القمح، غرامة لباس غير لائق، لكن معًا، فإن الوثائق الموجودة في المخازن تكشف عن العمل الداخلي لنظام حكم معقد، لقد أظهروا أن المجموعة، ولو لفترة محدودة من الزمن، أدركت حلمها: إقامة دولتها الخاصة، وهى دولة دينية تعتبرها خلافة، تعمل وفق تفسيرها الدقيق للإسلام.
 
عرف العالم الوحشي لتنظيم "داعش"، لكن المتشددين لم يحكموا بالسيف وحده، لقد استخدموا السلطة من خلال اثنتين من الأدوات التكميلية: الوحشية والبيروقراطية.
 
بنى "داعش" حالة من الكفاءة الإدارية التي جمعت الضرائب والتقاط القمامة، أدار مكتب الزواج الذي أشرف على الفحوص الطبية لضمان أن الأزواج يمكن أن يكون لديهم أطفال، أصدر شهادات ميلاد، مطبوعة بأدوات الدولة الداعشية، للأطفال المولودين تحت علم الخلافة الأسود.
 
وتظهر الوثائق والمقابلات مع عشرات الأشخاص الذين عاشوا تحت حكمهم أن المجموعة في بعض الأحيان تقدم خدمات أفضل، وأثبتت قدرتها على أن تكون أكثر قدرة من الحكومة التي استبدلت بها.
 
كان أحد مفاتيح نجاحهم هو تدفق عائداتهم المتنوعة، استمدت المجموعة دخلها من العديد من فروع الاقتصاد، بحيث لم تكن الضربات الجوية وحدها كافية لشلّها.
 
دفاتر الحسابات وكتب الاستلام والميزانيات الشهرية تكشف كيف استطاع المسلحون تسييل كل شبر من الأرض التي قاموا بغزوها، وفرض ضرائب على كل بوشل من القمح، وكل لتر من حليب الأغنام وكل البطيخ الذي يباع في الأسواق التي يسيطرون عليها، من الزراعة وحدها، حصدوا مئات الملايين من الدولارات. وعلى عكس التصور الشائع، كانت المجموعة ممولة ذاتيًا، ولا تعتمد على مانحين خارجيين.
 
والأكثر غرابة في الأمر، أن الوثائق تقدم دليلًا آخر على أن إيرادات الضرائب التي حصل عليها تنظيم "داعش" كانت أعلى بكثير من إيرادات مبيعات النفط، لقد كانت التجارة والزراعة يوميًا، وليس النفط، هي التي ساعدت اقتصاد الخلافة.