في ذكرى المئوية .. برهم صالح يطالب بعقد سياسي واجتماعي جديد

قال الرئيس العراقي برهم صالح، إن الدولة العراقية في حاجة ملحة إلى الحكم الرشيد، مؤكداً ضروة “الانطلاق نحو عقد سياسي واجتماعي جديد ضامن للسلم الأهلي، يقوم على مراجعة موضوعية لأخطاء الماضي وتجاربه”، فيما حذر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي من طريق “اللادولة” باعتبار ذلك “خيانة لأنفسنا وللأجيال القادمة”.

وذكر الرئيس برهم صالح، في مقال نشرته جريدة الشرق الأوسط، الأحد، بمناسبة مئوية الدولة العراقية (1921-2021)، أنه يجب أن تكون الحكومة الجديدة “مقتدرة”، وأشار إلى ضرورة العمل خلال المرحلة المقبلة على تعديلات دستورية، وثورة تشريعات.

المراحل التأسيسية

قال الرئيس العراقي إنه “مرّت على العراق مئة عام (1921 -2021)، حافلةٌ بالمُنعطفات التاريخية، شهدت مراحله التأسيسية بواكير الحركة الوطنية الحرة، وأسس التنمية الاقتصادية والإدارة والحراك السياسي المدني وتطوير نُظم الصحة والتعليم والثقافة والمساواة بين العراقيين بتنوع أطيافهم”.

ولفت إلى أنه تم “منح المرأة دوراً ريادياً في الحياة العامة، جعلته في طليعة دول المنطقة ومركزاً للإبداع الفكري والحضاري…”، مضيفاً: “لكن المراحل اللاحقة لم تخلُ من التصدعات والانتكاسات، عصفت بشعبهِ المآسي، حروب واضطهاد وحصار وصولاً لاستباحة الإرهاب لمُدننا”.

الجدال العراقي

وتابع الرئيس العراقي: “يُجادل العراقيون حول سبب الأزمة، وينقسم الجدل حول الأنظمة المتعاقبة على الحكم، لكن التاريخ يدُلنا لانحرافات خطيرة، زج العسكر في السياسة والانقلابات والدساتير المؤقتة وممارسات التمييز والقمع وحملات الإبادة والأنفال والمقابر الجماعية واستخدام الأسلحة الكيماوية في حلبجة وتجفيف الأهوار”.

ورأى صالح أن أكبر الدروس المُستقاة من مئوية الدولة العراقية هو الحاجة المُلّحة للحكم الرشيد، قائلاً إنه “رغم موارد البلد الطبيعية الغنية وطاقاته البشرية الفذة، وموقعه الجغرافي في قلب المنطقة، لم يجلب كل ذلك السلام الدائم والعيش الرغيد لمواطنيه”.

عقد سياسي جديد

وأضاف صالح أنه “من الضروري الانطلاق نحو عقد سياسي واجتماعي جديد ضامن للسلم الأهلي”، وأوضح: “ونحن على أعتاب استحقاق وطني مهم بتشكيل حكومة جديدة يجب أن تكون مُقتدرة، نجد من الضروري الانطلاق نحو عقد سياسي واجتماعي جديد يقوم على مراجعة موضوعية لأخطاء الماضي وتجاربه”.

وذكر أن “الشروع في هذا العقد ليس ترفاً بل ضرورة حتمية”، لافتاً إلى أن “الظرف الراهن الدقيق يقتضي العمل الجاد على إنهاء دوامة الأزمات”، وأكد أنه “في نهاية المطاف لا الشيعة، ولا الكرد، ولا السنّة، ولا باقي المكونات راضون عن الوضع الراهن، ويُقرّون باستحالة استمراره”.

العلاقة الكردية

وتطرق الرئيس العراقي إلى “إشكالية العلاقة الكردية مع بغداد”، معتبراً أنها “رافقت بواكير تأسيس الدولة”، و”لا تزال قائمة حتى اليوم”.

وقال صالح إنه “لا بد من حوار جدي في بغداد يضمن شراكة حقيقية عبر حلول حاسمة تخدم جميع العراقيين من البصرة إلى بغداد إلى النجف والأنبار والموصل وإلى كردستان”.

استعادة ثقة الشعب

وأكد صالح أن “أحد أكبر تحديات الحكم الرشيد، هي الخلل البنيوي في منظومة الحكم بعد العام 2003، لأنها لا تفي بمتطلبات العراقي”، وشدد على أن “ترسيخ الحكم الرشيد، يبدأ باستعادة ثقة الشعب في النظام السياسي، وإنهاء التجاوز على الدولة وإضعافها واختراقها وانتهاك سيادتها”.

وتابع: “خرجنا للتو من عملية انتخابية مُبكّرة استجابة لحراك شعبي وإجماع وطني على الحاجة لإصلاحات جذرية، ونتوقع استكمال الإجراءات القانونية للانتخابات والانطلاق نحو الاستحقاقات الدستورية بتشكيل الحكومة الجديدة”.

المشاركة في الانتخابات

وقال صالح إنه “من الملهم حقاً رؤية العراقيين، رغم الأزمات وهجمات الإرهاب، يرتضون الانتخابات وسيلة لحسم مشاكلهم لا الحرب والاقتتال”، إلا أنه أشار إلى ضرورة عدم تجاهل الإقبال على المشاركة.

وأوضح: “العملية الانتخابية في نهاية المطاف ليست هدفاً بحد ذاته، بل المسار السلمي والضامن لمشاركة واسعة للعراقيين في تحقيق تطلعاتهم في حكم رشيد”.

الانتصار على “داعش”

وأشاد الرئيس العراقي بتمكن العراقيين من تحرير مدنهم من “دنس داعش”، وحماية المنطقة والعالم من جرائمه، مشيراً إلى حدوث ذلك عن طريق “تكاتف المواطنين وبسالة القوات المسلحة من الجيش والشرطة والحشد الشعبي والبيشمركة، وبدعم التحالف الدولي وجيراننا وأصدقائنا، والدور الكبير للمرجعية الدينية التي حشّدت قوى الشعب في هذه المواجهة المصيرية، ولا ينبغي التفريط في هذا الانتصار”.

تحدي الفساد

ولفت صالح إلى خطورة ظاهرة الفساد، معتبراً أنها “تُمثل عائقاً أمام الحكم الرشيد”، ولفت إلى أن “هذه الآفة الخطيرة مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعنف والإرهاب وتغذية الانقسامات وتهديد السلم المجتمعي”.

وشدد على أن تحدي الفساد “يفرضُ وقفة جادة وحاسمة وحازمة مُشتركة”، منبهاً لأنها “معركة وطنية لن يصلح وضع البلد بدون الانتصار فيها”، وطالب بضرب منابع الفساد و”استرداد ما تم نهبه وتهريبه”.

ثورة تشريعات

وقال الرئيس العراقي إن “المرحلة المقبلة يجب أن تعمل على تعديلات دستورية لبنود أثبتت الممارسة السياسية مسؤوليتها عن أزمات مُستحكِمة تقف عائقاً أمام تطور العملية السياسية”.

وأضاف أنه “لا بد من ثورة تشريعات، بما يحفظ الثوابت ويضعنا مواكبين لتطورات العصر”.

“أخطر تهديد مستقبلي”

ورأى صالح أن التحول الاقتصادي “يرتبط بمواجهة أخطر تهديد مستقبلي لبلدنا، والمتمثل في التغيّر المناخي، وآثاره الاقتصادية وأضراره البيئية الكبيرة”.

وطالب الرئيس العراقي بأن يكون التصدي لتغيّر المناخ “أولوية وطنية”، مشيراً إلى أنه “علينا إنعاش وادي الرافدين وحماية تنوعه البيئي، عبر الخطط الاستراتيجية الموضوعة لمكافحة التغيّر المُناخي”.

مآخذ تاريخية

وقال صالح إن “أحد المآخذ على تاريخ العراق المُعاصر، عدم استفادته من موقعه الجغرافي في قلب المنطقة”، لافتاً إلى أن “أزماته الداخلية انسحبت نحو تأزيم المنطقة بحروب ونزاعات عبثية مع الجيران”.

وأضاف أن ذلك “أدى لانهيار المنظومة الإقليمية”، وحلت محلها الاستقطابات والانقسامات التي لم تجلب السلام المنشود.

وطالب بتعزيز السياسة الخارجية المرتكزة بالنأي عن سياسة المحاور والصراعات، وبناء علاقات متوازنة مع الجميع، قائلاً إن “العراق الذي كان عنواناً للتنازع يجب أن يكون عنواناً لتلاقي مصالح المنطقة التي من مصلحتها أيضاً عودة العراق لدوره المحوري، وإنهاء تنافسات الآخرين على أرضه”.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *