كيف خسرت أوكرانيا معركة الحصول على التزام بانضمامها لـ”الناتو”؟

سعت أوكرانيا خلال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، التي اختتمت أعمالها في العاصمة الليتوانية فيلنيوس، الأربعاء، للحصول على إعلان واضح بشأن انضمامها للتحالف العسكري مباشرة بعد نهاية الحرب مع روسيا، لكنها لم تنجح في ذلك.

وأعلنت كييف عن استيائها، تحديداً من الإشارة المبهمة المرتبطة بـ”شروط” انضمامها، والتي ارتأت أنها تشكل “عائقاً تعسفياً محتملاً أمام عضويتها”، وفق تقرير لمجلة “بوليتيكو” الأميركية.

وعلى مدى أسابيع، ضغط المسؤولون الأوكرانيون على نظرائهم في الولايات المتحدة وأوروبا من أجل وضع صياغة تحدد جدولاً زمنياً، ومساراً واضحاً، نحو عضوية حلف شمال الأطلسي، لكن ذلك لم يحدث.

وجاء البيان الختامي للقمة بمثابة “خيبة أمل” كبيرة لكييف، التي أعربت عن غضبها خلف الكواليس، علماً أن الولايات المتحدة وألمانيا قاومتا الضغوط لتقديم تعهدات صريحة وملموسة لأوكرانيا بهذا الشأن.

إحباط زيلينسكي
وتواصلت القيادة الأوكرانية مع واشنطن وبرلين للتعبير عن استيائها، كما أظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خيبة أمله، إذ أشار في تغريدة، الثلاثاء، إلى نص مسودة البيان النهائي قبل صدوره، باعتباره “غير مسبوق وغير معقول”.

وقال الرئيس الأوكراني: “يبدو أنه ليس هناك استعداد لدعوة أوكرانيا إلى الناتو، أو لجعلها عضواً في الحلف”.

وفي هذا السياق، قال مسؤول أوكراني مطلع على المفاوضات لـ”بوليتيكو”، إن الأوكرانيين “يشعرون بخيبة أمل تجاه المقاربة التي يعمل من خلالها الناتو”، مشيراً إلى أنه “ليس هناك حوار حقيقي مع الحلف بهذا الشأن”.

وأفادت “بوليتيكو” بأن مؤيدي أوكرانيا، الذين دعموها بالمليارات على الصعيد العسكري والاقتصادي، شعروا “بالصدمة” بسبب غضب زيلينسكي.

وأضافت أنه حتى أقرب أصدقاء كييف داخل “الناتو” تفاجأوا بالانتقادات التي وجهها الرئيس الأوكراني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبروا أنها “غير مفيدة وغير مبررة” خلال فترة المفاوضات الدبلوماسية الحساسة.

بدوره، وصف دبلوماسي رفيع من شمال أوروبا، لم تذكر “بوليتيكو” اسمه، تغريدة الرئيس الأوكراني بأنها “تعبير مؤسف عن الإحباط”.

وأضاف أن التغريدة التي تزامنت مع إعداد قادة “الناتو” لاجتماعهم في فيلنيوس، “أضافت مزيداً من التوتر إلى جهود اللحظة الأخيرة التي بذلها الدبلوماسيون لوضع اللمسات الأخيرة على نص البيان المثير للجدل، والذي نُشر في نهاية المطاف مساء الثلاثاء”.

وقال مسؤول رفيع في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للصحيفة: “رأينا تغريدة الرئيس الأوكراني في نفس الوقت الذي رآها فيه الجميع”، معرباً عن اعتقاده بأن “الجميع يتفهم الضغوط التي يعانيها الرئيس الأوكراني”.

وأضاف المسؤول الأميركي للمجلة: “إننا على ثقة من أن الالتزامات التي تم التعهد بها في فيلنيوس، ستخدم احتياجات أوكرانيا الدفاعية على المدى الطويل”.

“إعلان إيجابي”
ولكن بحلول اليوم التالي، الأربعاء، بذل الجميع أقصى جهوده للتخفيف من مشاعر الإحباط.

وسلط المسؤولون الضوء على الحزمة التي وافق قادة الحلف على تقديمها لأوكرانيا، والتي تضمنت برنامجاً لمساعدة القوات الأوكرانية على الانتقال إلى المعايير العسكرية الغربية، وتشكيل مجلس جديد يضم حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا.

كما تم التخلي عن ما يسمى بـ”خطة عمل العضوية”، والتي كانت تمثل مساراً يعتمد على إصلاحات داخلية تقوم بها أوكرانيا قبل انضمامها إلى الحلف.

وفي لفتة تهدف إلى التأكيد على دعم الحكومات الغربية لأوكرانيا، أصدر قادة مجموعة السبع، إعلاناً بعد ظهر الأربعاء، بشأن “الالتزامات الأمنية طويلة المدى تجاه أوكرانيا”، والمتمثلة في قيام الحكومات بإبرام اتفاقات ثنائية لتقديم المساعدات والتدريب وأشكال أخرى من الدعم.

وعلى الجانب الآخر، أعرب الكرملين عن غضبه الشديد تجاه الإجراء الذي اتخذته مجموعة السبع، قائلاً في بيان: “نعتقد أنه خطأ جسيم، ويمكن أن يشكل خطورة بالغة”.

وفي هذا السياق، قال الدبلوماسي الرفيع من شمال أوروبا: “أعتقد أن الحزمة المقدمة لأوكرانيا جيدة، وتشكل أساساً قوياً لعلاقة أكثر تقارباً على مسار الانضمام” للحلف.

وأضاف أن “تغريدة (زيلينسكي) لم تغير أي شيء بهذا الصدد”، مشدداً على أن إعلان مجموعة السبع كان “إيجابياً أيضاً”، وأن “العديد من الحلفاء قالوا بالفعل إنهم سينضمون إليه، وأن الحالة المزاجية اليوم اتسمت بالود”.

وحرص المسؤولون الفرنسيون على إظهار تفهمهم وتعاطفهم مع الرئيس الأوكراني، إذ قال وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان ليكورنو للتلفزيون الفرنسي، الثلاثاء، إن “الرئيس الأوكراني يؤدي دوره كرئيس دولة تخوض حرباً، وكقائد حرب. لهذا يحاول الضغط على الحلفاء”.

وأضاف: “يجب أن نضع أنفسنا مكانه. لقد قطعنا التزاماً في بوخارست، ونعلم ما حدث بعد ذلك”، في إشارة إلى قمة “الناتو” التي عقدت في عام 2008، عندما قطع الحلف العسكري وعوداً غامضة بأن أوكرانيا ستصبح عضواً في نهاية المطاف.

وبالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كانت قمة فيلنيوس “لحظة مهمة لإظهار دعم لا يتزعزع” تجاه كييف، وذلك بعد أشهر من اعتبار قادة أوروبا الوسطى والشرقية، بأنه شخصية شديدة التصالح مع موسكو.

كما اعتبر ماكرون أن مطالب الرئيس الأوكراني “مشروعة”.

اجتماعات مثمرة
ومن جانب أوكرانيا، قال مسؤول لـ”بوليتيكو” إن الاجتماعات مع قادة الحلف كانت “مثمرة حقاً”، مشيراً إلى أن بلاده “تلقت إشارات واضحة على أن العضوية في “الناتو”، لن تكون “ورقة مساومة” في المفاوضات مع روسيا،وهو ما كان يمثل “التخوف الأساسي” لكييف.

وأوضح المسؤول أنه “رغم حالة عدم الوضوح التي جاءت في نص الإعلان بشأن مسار عضوية أوكرانيا، إلا أن الاجتماعات أظهرت أن هناك التزاماً بتعميق العلاقات”.

وتبنى زيلينسكي نبرة “أكثر إيجابية” في ظهوره الصحافي الأربعاء، وأعرب عن شكره لقرار إسقاط شرط خطة العمل، وامتنانه للحلفاء، وإشادته بالالتزامات التي قطعتها مجموعة السبع.

وقال زيلينسكي لدى سؤاله عن اختلاف نبرته عن اليوم السابق: “لم أغير وجهة نظري”، مضيفاً: “الأهم هو أن لدينا فهماً مشتركاً للظروف التي فيها وبموجبها ستكون أوكرانيا عضواً في الناتو”.

ولدى سؤاله عن مخاوف كييف من أن تتحول عضوية أوكرانيا إلى “ورقة مساومة” في المفاوضات المستقبلية مع روسيا، أجاب زيلينسكي: “هذا لن يكون مقبولاً”.

وأضاف: “أنا على يقين من أنه لن يكون هناك خيانة من الرئيس الأميركي جو بايدن أو المستشار الألماني أولاف شولتز. لكن ما زلت بحاجة إلى القول إننا لن نقايض أي وضع بأي شبر من أراضينا، حتى لو كانت قرية لا يقطنها سوى عجوز واحد”.

وفي تصريح خلال تواجده في فيلنيوس مساء الأربعاء، أكد بايدن أن الغرب يقف إلى جانب كييف، قائلاً: “لن نتراجع. أعني ذلك تماماً. التزامنا تجاه أوكرانيا لن يتلاشى”.

ومع اختتام القمة، سارع العديد من المسؤولين للعمل على تجاوز التوترات. وقال دبلوماسي كبير من شرق أوروبا لـ”بوليتيكو”: “أعتبر أن الأمور حسمت هنا. من الأهم أن نتطلع إلى المستقبل”.

وتطلب كييف تسريع انضمامها إلى حلف “الناتو” في أقرب وقت ممكن، لكن العديد من الحلفاء يرون أن أوكرانيا لا يمكنها الانضمام إلا بعد انتهاء الغزو الروسي لأراضيها، لذا تعمل القوى الكبرى في الحلف على التوصل لالتزامات أمنية مؤقتة، يمكن منحها لأوكرانيا في غضون ذلك.