يتفاعل معظم العراقيين مع الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا، لكن تفاعلهم لا يشبه ربما الاهتمام الذي تبديه شعوب أخرى بالحرب الدائرة هناك. إذ إن العراقيين، وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، اختبروا معظم فظائع الحروب، ويدركون تماماً مآسيها وما تخلفه من موت وخسائر وفرار للسكان من منازلهم بعيداً عن جحيمها وويلاتها.
ومن هنا، فإن اتجاهات غير قليلة تدين الحرب والخطوات التي أقدم عليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتتعاطف مع أوكرانيا وشعبها. هذا على المستوى الشعبي، أما على المستوى الرسمي، فلا تبدو السلطات العراقية مؤيدة للحرب، لكنها وبحكم ظروف البلاد والتعقيدات المرتبطة بمسارها السياسي، تمارس قدراً من «الحياد»، ومحاولة تجنب أي أضرار محتملة تسببها المواقف السياسية. وفي هذا الإطار، امتنع العراق، على المستوى الدبلوماسي، أول من أمس، عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي «يطالب روسيا بالتوقف الفوري عن استخدام القوة ضد أوكرانيا». غير أنه وعلى المستوى الاقتصادي، أظهر البنك المركزي العراقي قدراً أكثر جرأة حين اقترح على الحكومة عدم إبرام أي عقود جديدة، وتعليق التعاملات المالية مع روسيا عقب فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على موسكو.
وقال البنك في وثيقة رسمية صادرة عنه وموجهة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، «نود إعلامكم أنه بسبب الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، قامت وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات على مؤسسات مالية واقتصادية روسية، لغرض الحد من قدرات روسيا في الحرب». وأضاف أنه وبهدف «حماية النظام المالي العراقي، فإننا نقترح التريث في الوقت الحاضر في إبرام أي عقود حكومية مع الجانب الروسي، والتريث في تحويل أي مدفوعات مالية من خلال النظام المالي في روسيا».
وعلى الرغم من الغموض الذي يحيط بموقف الحكومة من مقترح البنك المركزي، إلا أن المرجح التزامها بذلك، لخشيتها من العقوبات الأميركية. وسبق أن التزمت بغداد بعدم التعامل المالي مع طهران في القضايا التي لم تحصل فيها استثناءات أميركية، مثل شراء الطاقة والكهرباء والغاز من الجانب الإيراني.
وتتولى شركات روسية تنفيذ مشاريع استثمارية في العراق في مجالات النفط والطاقة في جنوب البلاد وشرقها، إلى جانب استثمارات نفطية روسية في إقليم كردستان. ولدى روسيا أيضاً اتفاقات وتعاملات تتعلق بالتجهيزات والمعدات العسكرية مع بغداد.
لكن الموقف الرسمي المتحفظ عن الحرب والموقف الشعبي العام الرافض لها، لم يمنع بعض الاتجاهات المتماهية مع وجهة النظر المناهضة للغرب والقريبة من إيران من تأييد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد ظهر ذلك جلياً من خلال إقدامها على وضع جدارية له في منطقة الجادرية ببغداد، وقد ذيلت الصورة بعبارة «أصدقاء الرئيس». وأثارت الصورة موجة غضب وانتقادات عديدة في مواقع التواصل الاجتماعي، ضد الجهات التي عمدت إلى وضعها، ما دفع مجموعة من الشباب إلى القيام بإزالتها. وتقول مصادر حكومية إن السلطات الأمنية وجهت قواتها بمنع رفع صور الرئيس الروسي في الأماكن العامة.