فرنسا تشهد ليلة خامسة من الاحتجاجات وأحداث الشغب

شُيّع جثمان الشاب الفرنسي صاحب الأصول الجزائرية، نائل، السبت في جنازة مُنعت الصحافة من تغطيتها، فيما عبّأت السلطات عشرات آلاف عناصر الأمن تحسباً لتواصل الاحتجاجات وأعمال الشغب التي خفت حدتها في الليلة الخامسة، وأعلنت توقيف مئات الأشخاص.

وقالت وزارة الداخلية، إنه تم توقيف ما مجموعه 322 شخصاً في فرنسا، بينهم 126 في باريس وضاحيتها القريبة، ليل الأحد حتى الساعة 01:30 بالتوقيت المحلي (23:30 توقيت جرينيتش)، في وقت تتراجع حدة أعمال العنف التي انطلقت على خلفية وفاة الشاب نائل برصاص شرطي.

وأفيد بتسجيل حوادث في الشانزليزيه في باريس، وفي مرسيليا (جنوب)، حيث أوقِف 56 شخصاً، وفي ليون (وسط شرق) حيث أوقِف 21 شخصاً، استناداً إلى حصيلة مؤقتة.

وفي مرسيليا التي شكلت ليل الجمعة السبت مسرحاً لحوادث كبرى وعمليات نهب، عمل جهاز أمني ضخم الأحد على تفريق مجموعات من الشباب كان عددهم أقل من اليوم السابق.

في العاصمة، نشرت قوة كبيرة من عناصر إنفاذ القانون على طول جادة الشانزليزيه، فيما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منذ الجمعة دعوات إلى التجمع، وفق صحافية في وكالة “فرانس برس”.

وعلى طول الجادة، جالت مجموعات صغيرة من الشباب الذين ارتدوا ملابس سوداء تحت أنظار الشرطة أمام المتاجر.

وعند نحو الساعة 1:30، كانت الشرطة تعمل على إخلاء آخر المجموعات المتبقية.

وفي ليون، أوقِف 21 شخصاً وفقاً لحصيلة أوردتها وزارة الداخلية مساءً.

ماكرون يلغي زيارته
وألغى رئيس البلاد إيمانويل ماكرون زيارة دولة كانت مقررة إلى ألمانيا، الأحد، للتصدي إلى أسوأ أزمة تواجه حكمه منذ احتجاجات “السترات الصفراء” التي أصابت فرنسا بالشلل في أواخر عام 2018.

وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، قال إنه سيتم تعبئة حوالى 45 ألف من عناصر الشرطة والدرك مرة أخرى ليل السبت الأحد للتعامل مع أعمال الشغب.

وأضاف أنه سيتم تعزيز الشرطة “بشكل كبير” في مرسيليا (جنوب شرق)، وليون (وسط شرق)، وهما من المدن الرئيسية التي تضررت في احتجاجات الجمعة.

وسقط الفتى نائل (17 عاماً) برصاصة في الصدر أطلقها شرطي من مسافة قريبة أثناء عملية تدقيق مروري. ووُجهت إلى الشرطي الموقوف البالغ 38 عاماً، تهمة القتل العمد.

وقال محامي الشرطي، لوران فرانك لينارد، إن موكله أراد التصويب على ساق سائق السيارة لكنه تعثر عندما انطلقت السيارة فجأة مما تسبب في إطلاق النار باتجاه صدره.

وذكر لينارد في تصريح لتلفزيون “بي.إف.إم” أنه “من الواضح أن (الشرطي) لم يرغب في قتل السائق”.

تشييع الجثمان
وشيّع مئات من الأشخاص جثمان الشاب نائل، السبت، إلى مقبرة مونت فاليريان في ضاحية نانتير الباريسية.

ونقل الجثمان من دار جنازات نانتير إلى المسجد، وسط أجواء متوترة للغاية بين مجموعات من الشباب والصحافة التي طلبت عائلة نائل عدم حضورها.

وانتهى التشييع قرابة الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر (15:30 توقيت جرينيتش) في “هدوء شديد، في خشوع وبدون تجاوزات”، بحسب ما أفاد شاهد وكالة “فرانس برس”، مضيفاً أن عدداً كبيراً جداً من الشباب كانوا حاضرين في المقبرة.

وأذكت وفاة الشاب، التي رصدتها إحدى الكاميرات، شكاوى قديمة من المناطق الحضرية التي يقطنها أصحاب الدخل المنخفض والأعراق المختلطة، بأن الشرطة تمارس العنف والعنصرية، بحسب وكالة “رويترز”.

حرائق وسرقات
وشهدت مدن عدة، ليل الجمعة – السبت، صدامات بين الشرطة وشبان من الأحياء الشعبية، رددوا شعارات مناهضة لقوات الأمن، كما جرى تخريب مبان عامة ونهب محلات تجارية.

وقال وزير المالية برونو لو مير إن أكثر من 700 متجر ومطعم وفرع بنكي، تعرضت “للنهب والسرقة وأحياناً للحرق، حتى دُمرت تماماً منذ يوم الثلاثاء”.

وأعلنت وزارة الداخلية أن النيران أضرمت في حوالى 1350 سيارة، فيما تعرض 234 مبنى للحرق أو التخريب، وأحصي 2560 حريقاً على الطرقات العامة.

وأحصت الوزارة 31 هجوماً على مراكز للشرطة، و16 على مراكز للشرطة البلدية، و11 على ثكنات للدرك.

مواجهات بأسلحة نارية
في مدينتي ليون وجرونوبل في وسط شرقي البلاد، جرت مواجهات حتى ساعة متقدمة من الليل بين مجموعات من الشباب الملثمين في غالب الأحيان يتنقلون مهرولين أو على دراجات، ويرمون المقذوفات باتجاه عناصر الشرطة الذين كانوا يردون بإطلاق الغاز المسيل للدموع.

وفي فول أن فلان في ضاحية ليون، أطلق أحد المتظاهرين النار من بندقية باتجاه عناصر من الشرطة على ما أفادت وزارة الداخلية.

وصباح السبت، قام التجار بإحصاء أضرار أعمال الشغب الليلية، ومنها في ليون، ثالث كبرى المدن الفرنسية.

وقالت مالكة متجر للملابس الداخلية النسائية في شارع وسط المدينة غطى أرضه حطام واجهات المحال، إنها ستقوم الاثنين “بعرض كل شيء للبيع.. كفى”. فيما ذكر مالك فندق صغير: “يجب أن نرحل، هذا كل ما بقي لنا أن نفعل”.

مزيد من الشرطة
ولم تسلم منطقة باريس من أعمال الشغب، وقررت ثلاث مدن قريبة من العاصمة الفرنسية فرض حظر التجول على غرار مدن أخرى في المناطق الداخلية.

وكان وزير الداخلية أعلن نشر “مزيد من الوحدات المتخصصة” للتدخل السريع من الشرطة والدرك، فضلاً عن إرسال مدرعات خفيفة من سلاح الدرك.

منتخب فرنسا يتدخل
وقال لاعبو منتخب فرنسا لكرة القدم في بيان نقله قائدهم كيليان مبابي، إن “زمن العنف يجب أن يكف ليحل مكانه زمن الحداد والحوار وإعادة البناء”.

ويطرح جزء من الأوساط السياسية مسألة فرض حال الطوارئ في البلاد، وهي مسألة تلقى متابعة حثيثة في الخارج، وخصوصاً أن فرنسا تستضيف في الخريف كأس العالم للركبي، ومن ثم دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس في 2024.

ويسمح فرض حال الطوارئ للسلطات الإدارية باتخاذ إجراءات استثنائية مثل منع التجول، وسبق أن فُرضت في نوفمبر 2005 بعد أعمال شغب استمرت عشرة أيام في الضواحي عقب سقوط مراهقَين صعقاً في محول كهربائي احتميا فيه هرباً من مطاردة الشرطة لهما.